الحقوق بين الراعي والرعية

 

المقدمة: أهمية وجود ولي الأمر:

من حكمة الله أن أوجب على المسلمين أن تكون لهم قيادة، وأن يكون لهم راعٍ يرعاهم، وإمام يقودهم ليقوم بمهمة الأمة، لأن الأمة بلا قيادة وبلا راع تعيش فوضى لا يدرى نتائجها، لكن لا يدرى نهايتها ومصيرها، ولهذا أوجب الله علينا السمع والطاعة لمن ولاه الله أمرنا فقال: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [سورة النساء: الآية 59]].

فالراعي للأمة أمر ضروري لمصالح دينهم ودنياهم، فبالولاة يقام العدل، وتجتمع الكلمة، وتقام الحدود، وتنتظم مصالح الأمة، ويسعون في الأرض في الخير، وعندما تفقد الأمة راعٍ يرعاها وقائد يقود مسيرتها لا بد أن يضطرب أمرها، وأن تعيش في قتل وسلب ونهب, إن العرب في جاهليتهم لا يخضع بعضهم لبعض، ولا ينقاد بعضهم لبعض، يتعارفون في ميدان القتال، وعند المعارك التي تدور عندهم على أتفه الأسباب وأحقرها, فجاء الإسلام وخالف أمر الجاهلية، فأوجب نصب الإمام، وأوجب السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر هذه الأمة، وأوجب على المسلمين الأخذ على يد من يريد تفريق كلمتهم، وتشتيت صفوفهم، وإحداث الفرقة بينهم فقال: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»، لأن من يريد بالأمة الشر والفساد وتفريق الكلمة، وإحداث الفوضى هذا مفسد في الأرض، وحق المفسد أن يؤخذ على يده حتى يَسْلَمَ الناس من شره.

ما أصيبت الأمة الإسلامية في دينها ولا في خيراتها ومصالحها، إلا حينما فقدت القيادة الحكيمة.

واجبات الإمام

جاءت الشريعة بالعدل فألزمت الإمام القيام بالواجب فجاء في الحديث: «إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ» وقال: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته»  فأوجب على الإمام القيام بالواجب، وجعل الإمام العادل أحد السبع الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.

إن الإمام إذا وفقه الله، وسدد خطاه وأعانه وهيأ له من بطانة الخير من يعينه إذا ذَكَرَ، ويُذَكِّرُهُ إذا نسي، ويساعده في تحقيق الخير، فإن هذا عنوان التوفيق للأمة، والرحمة بهم

: المراد بالراعي

الراعي هو الأمام سواء كان صاحب ولاية كبرى أو صغرى ، فالوزير راعي والمدير راعي

فعن عمر بن الخطاب أن رسول الله قال كلكم راعي وكلكم مسؤول عن رعيته فالامام راعي ومسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيتها والخادم فى مال سيده راع ومسؤول عن رعيته

: حقوق الراعي

أولاً: بيعته على الطاعة في المعروف : قال الله – سبحانه -: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59]؛ فهذا حق الراعي على الرعية، ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، ولم يقل: “وأطيعوا أولي الأَمْرِ”؛ لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله ورسوله؛ وها هو الصديق -رضي الله عنه- لما تولَّى الخلافة يبيِّنها، ويقول: “يا أيها الناس، إني قد ولِّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أسأتُ فقوِّموني، وإن أحسنتُ فأعينوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر، ولا ظهرت – أو قال: شاعت – الفاحشة في قوم إلا عمَّهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”؛ مصنف عبدالرَّزَّاق (11 / 336).

وفي الحديث: “بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على السمع والطاعة، في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وَأَثَرَة علينا”، الحديث؛ متفق عليه.

وروى مسلم عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((مَن خَلَع يدًا من طاعة؛ لقي الله ولا حُجَّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية فوجَبت الطاعة لولي الأمر في غير معصية، في المَنشط والمَكره، ورسولنا – صلى الله عليه وسلم – يقول:(مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني) متفق عليه.

وفي حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي – ص- قال:(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ وكَرِه، إلا أن يؤمَر بمعصية، فإن أُمِرَ بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)؛ متفق عليه.

وعن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: بعث النبي – ص- سرية، فاستعمل رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يُطِيعوه، فغَضِب، فقال: أليس أمركم النبي – ص- أن تُطِيعوني، قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، فقال: أَوقِدوا نارًا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهمُّوا، وجعل بعضهم يُمسِك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النبي – ص- من النار، فما زالوا حتى خَمَدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي – ص- فقال: ((لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة،….. ))؛ أخرجه البخاري ومسلم.

والسمع والطاعة يكونان في عدم مخالفة أمره، والجهاد تحت رايته، والصلاة خلفه، ودفع الزكاة إليه، وفي كل شيء، ما لم يأمر بمعصية الله.

ثانيًا: بذل النصح له : عن تميم الداري أن النبي – ص – قال: ((الدين النصيحة))، قلنا لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم))؛ أخرجه البخاري، معلقًا، ومسلم برقم (55

وفي حديث جَرِير، قال: “بايعت رسول الله – ص- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم”؛ متفق عليه.

وعن أبي سعيد الخدري – ر- عن النبي – ص- قال: ((ما استُخلِف خليفةٌ إلا له بِطانتان: بِطانة تأمره بالخير، وتحضُّه عليه، وبِطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم مَن عصم الله))؛ أخرجه البخاري.

والنصيحة تكون سرًّا بين الناصح الصادق وبين الوالي؛ لتكون أخلص عند الله، وعلى هذا سار السلَفُ الصالح.

ثالثًا: توقيره، وإجلاله، واحترامه: ولهذا أوجب الله – تعالى – في كتابه، وفي سنة رسوله – ص- احترامه وتوقيره وتجليله؛ فأخرج أحمد – وصحَّحه الألباني – عن أبي بكرة، قال: سمعتُ رسول الله – ص- يقول: ((مَن أكرم سلطان الله – تبارك وتعالى – في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومَن أهان سلطان الله – تبارك وتعالى – في الدنيا أهانه الله يوم القيام

وأخرج الترمذي عن زياد بن كُسَيب العدوي قال: “كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفسَّاق؛ فقال أبو بكرة: اسكت؛ سمعت رسول الله – ص- يقول: ((من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله.

رابعًا: التعاون معه على البر والتقوى :عملاً بقوله – تعالى -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

وفي حديثٍ رَوَته عائشة عن النبي – ص- أنه قال: ((إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكَر أعانه، وإذا أراد له غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكِّره، وإن ذكَر لم يُعِنْه))؛ رواه أبو داود، والنسائي، وسنده صحيح.

خامسًا: الدعاء له: قال القاضي عياض: “لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لجعلتها في الإمام”، وروي عن الإمام أحمد مثل ذلك.

وعن عوف بن مالك، عن رسول الله – ص- قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويصلُّون عليكم وتصلُّون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تُبغِضونهم ويُبغِضونكم، وتَلعَنونهم ويَلعَنونكم))، قيل: يا رسول الله؛ أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة))؛ أخرجه مسلم.

سادسًا: الصبر على جوره إن جار أو ظلم:  وأخرج البخاري (7052) عن زيد بن وهب قال: سمعت عبدالله قال: قال لنا رسول الله – ص -: ((إنكم سترون بعدي أثرةً، وأمورًا تنكرونها))، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((أدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكم)).

سابعًا: عدم الخروج عليه: أخرج مسلم أيضًا برقم (1855) عن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسول الله – ص- قال: (خيار أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويصلُّون عليكم وتصلُّون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تُبغِضونهم ويُبغِضونكم، وتَلعنونهم ويَلعنونكم))، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تَكرَهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة).

حقوق الرعية على الراعي

أولاً: إقامة العدل بين الرعية : قال -تعالى-: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25].

يقول الله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [النساء: 135].

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي – ص- أنه قال: ((أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر.

ثانيًا: الحكم بشرع الله تعالى: فالتحاكم لشرع الله فرضٌ قطعي بالكتاب والسنة والإجماع؛ قال -تعالى-: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 49، 50].

وقال -سبحانه-: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ [الجاثية: 18 – 19

ثالثًا: النصح للرعية: فيعمل على جلب ما فيه النفع لهم، ودفع ما فيه الضرر، وليأخذ على أيدي الفاسدين المفسدين، من أصحاب الدعوات الهدامة، والعقائد الباطلة؛ لمنع شرورهم، وحماية الأمة من فسادهم.

قال النبي – ص-: ((ما من راعٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لها، إلا حرَّم الله عليه رائحة الجنة))؛ أخرجه مسلم.

وعن مَعقِل بن يَسار -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ما من أميرٍ يَلِي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة))؛ أخرجه مسلم.

رابعًا: الحلم والرفق بالرعية: ومن حقوقهم عليه أن يرفق بهم، ولا يشق عليهم؛ لقوله -ص-: ((اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن وَلِي من أمر أمتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفق به))؛ مسلم.

وقد ضرب النبي -عليه الصلاة والسلام- المثلَ الأعلى في الرفق؛ فقال : ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله))؛ البخاري.

خامسًا: مشاورة أهل الرأي من الرعية: قال -تعالى-: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[آل عمران: 159].

سادسًا: تفقد أحوالهم وألا يحتجب عنهم: عن عمرو بن مرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – ص-: ((ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته))؛ صحيح؛ أخرجه أحمد.

وقال الله -تعالى- عن سليمان -عليه السلام-: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ  ﴾[النمل: 20].

سابعًا: أخذ حق الضعيف من القوي: ومن حقوقهم عليه أن يأخذ الحق من غنيِّهم لفقيرهم؛ لقوله – ص- لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادْعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب))؛ متفق عليه.

وفي خطبة أبي بكر الصديق، قال: “أما بعد أيها الناس، فإني قد ولِّيت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوِّمون الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله …… ، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”؛ (السيرة؛ لابن هشام).

ثامنًا: الدفاع عنهم: فإن الدفاع عن الرعية وأموالهم وأعراضهم من واجبات الإمام؛ لقوله – ص: كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته

ومن ذلك: حفظ الحدود، والأخذ بقوة لمن روَّع أمن الناس وأفزعهم؛ قال – تعالى -: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 33].

تاسعًا: أن يختار الأشخاص الأكْفاء للعمل معه : قال الله -تعالى-: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].

فينبغي توفر القوة والأمانة، وهما في الناس قليل؛ كان عمر -رضي الله عنه- يشكو من ذلك، ويقول: “اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة”.

وقال -ص: ((يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها))؛ رواه مسلم.

في الصحيحين عن النبي -ص- أن قومًا دخلوا عليه فسألوه الولاية؛ فقال: (إنا لا نولِّي أمْرنا هذا مَن طلبه).

وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعًا: (من وَلِي من أمر المسلمين شيئًا، فولَّى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله))؛ (البيهقي في الكبرى بإسناد فيه ضعف

قال شيخ الإسلام – في السياسة الشرعية ص14 -:

استعمال الأصلح: فإن النبي -ص- لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شَيبة، طلبها منه العباس؛ ليجمع له بين سقاية الحاج، وسدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية، بدفع مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة.

فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح مَن يجده لذلك العمل، قال النبي -ص-: (من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فولَّى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله.

عاشرًا: أن يكافئ المحسن، ويعاقب المسيء: وهذا من العدل الذي أوجبه الله -تعالى- قال -سبحانه-: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: 31].

فلا بد من محاسبة الولاة وأرباب المناصب والعمال؛ فيكافئ المحسن، ويأخذ على يد المقصِّر والمسيء؛ وفي الحديث عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال: استعمل النبي –ص – رجلاً من الأَزْد، يقال له: ابن اللُّتْبِية، على الصدقة، فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي؛ قال: ((فهلاَّ جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه؛ فينظر أيُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَرُ))، ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرَة إبْطيه: ((اللهم هل بلَّغت، اللهم هل بلغت)) ثلاثًا؛ متفق عليه.

حادي عشر: أن يكون قدوة في الخير للرعية : لأن الناس على دين أمرائهم؛ أي: يسيرون بسيرتهم؛ فعلى الحاكم أن يكون إمامًا في الحق والخير، قال الله -تعالى- حاكيًا دعوة الصالحين: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

وقال الله -تعالى-: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].

 

هذا يدل على صون الإسلام وحفظه لحقوق كلي الفريقين الراعي والرعية, و إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان والله أسأل أن يسامح  و يغفر الخطأ إنه ولي ذالك والقادر عليه

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد

أخوكم في الله الفقير إلى عفو مولاه

آدم إدريس عثمان (أبو الحافظ)

abidaayah@gmail.com

Profile photo of Adam Idris Usman

Adam Idris Usman